محمد متولي الشعراوي

2760

تفسير الشعراوى

القرآنية يتساند بعضها مع بعض . وسبحانه يقول : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( من الآية 34 سورة فصلت ) فإن أباح اللّه لك أن تجهر بالسوء من القول إذا ظلمك أحد ، فقد جعل لك ألّا تجهر بل تعفو عنه ، وغالب الظن أن صاحب السوء يستخزى ويعرف أن هناك أناسا أكرم منه في الخلق ، ولا يتعب إنسان إلا أن يرى إنسانا خيرا منه في شئ . وعندما يرى الظالم أن المظلوم قد عفا فقد تنفجر في نفسه الرغبة أن يكون أفضل منه . إذن فالمبدأ الإيمانى : « ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » جعله اللّه مجالا محبوبا ولم يجعله قسرا ؛ لأنك إن أعطيت الإنسان حقه ، ثم جعلت لأريحيته أن يتنازل عن الحق فهذا إرضاء للكل . وهكذا ينمى الحق الأريحية الإيمانية في النفس البشرية ؛ لأنه لو جعلها قسرا لأصلح ملكة على حساب ملكة أخرى . ولذلك إذا رأيت إنسانا قد اعتدى على إنسان آخر ، فدفع الإنسان المعتدى عليه بالتي هي أحسن وعفا وأصلح فقد ينصلح حال المعتدى ، وسبحانه القائل : ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) . فإذا تمادى من بعد ذلك فعلى الإنسان أن يعرف أن اللّه لا يكذب أبدا ، ولا بد أن الخلل في سلوكك يا من تظن أنك دفعت بالتي هي أحسن . قد يكون الذي دفع بالتي هي أحسن قد قال بلهجة من التعالى : سأعفو عنك ، ومثل هذا السلوك المتكبر لا يجعل أحدا وليّا حميما . لكن إن دفع حقيقة بالتي هي أحسن تواضعا وسماحة ، فلا بد أن يصير الأمر إلى ما قاله اللّه : ( فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) . والتفاعلات النفسية المتقابلة يضعها اللّه في إطارات واضحة وسبحانه القائل : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ( من الآية 194 سورة البقرة )